فوزي آل سيف

27

معارف قرآنية

لدينا في الإمامية أن تفسيرَ هذه الآية هو أن الله علّم آدم أسماء آل محمد (ص). ولذلك بعض مُفسري الإمامية يقول أن الله لم يَقُل “ثم عرضها” وإنما قال عز وجل “ثم عرضهم” وكأنما هناك أشخاصٌ أو ذوات. بناءً على التفسير الآخر أن الأسماء تعني الأشخاص، الكلمات، الألفاظ، الإشارات وهي بداية اللغة، ثم بدأت هذه اللغة تتوسع، هذا المنشأ الأول الذي يتحدث عن نشأة اللغة والذي يًشير إلى أنهُ منشأ ديني. الاتجاه الثاني هو الاتجاه الاجتماعي في تفسير نشأةِ اللغة. وهو يقول بأن القضيةَ لا ترتبطُ بالضرورة بأمر ديني ووحي إلهي، وإنما هو تعبير عن حاجةٍ اجتماعية. فإن الله سبحانه بعدما زوّد الإنسان بهذه الأدوات من سمعٍ وبصرٍ وعقلٍ ولسانٍ وقدرةٍ بيانية، اكتشف البشر أنه بحاجةٍ إلى التواصل والتفاهم، فبدأ يبتكر اللغة. بدايةً بَدَأَ بالإشارة، والإشارة تحولت إلى عبارة، والعبارة تحولت إلى لغة. ويمثلون لذلك بما هو حاصل في المجتمع ، فلو التقيتَ مع شخصٍ لا تعرفُ لُغته، كيف تتواصل معه؟ بدايةً تبدأ بالإشارات، ثم ربما تُشيرُ إلى نفسِك وتُخبرهُ باسمك، وهو يقومُ بالفعلِ نفسه، بعدها تدريجيا هذه الإشارات تتحول إلى عبارات وألفاظ، وفي النهاية تبتكرون لغةً تتفاهمون بها، كذلك البشر في أول أمره كان بهذه الصورة. هناك أشخاص من المتقدمين والمبتكرين عُرِفوا بابتكار الألفاظ، في اللغة العربية مثلا يعرب ابن قحطان كان ممن لهُ قدرةٌ استثنائية، فبدأ يضعُ الألفاظ إلى المعاني، ومِثلُهُ تجد في اللغات الأخرى كالإنجليزية والعبرانية وهكذا. فإذن القضيةُ مرتبطة بحاجةٍ اجتماعية، وقد يَستَشهِدُ بعضهم على ذلك بأن الإنسان لم يبتكر لُغةً بينه وبينه الإنسان الآخر وحسب، وإنما ابتكر لُغةً بينهُ وبين الآلة أيضا. الحاسب الآلي الآن لهُ لغة معينة تُحول هذه الألة من صامتة إلى ناطقة ومستجيبة لك، لو أزلتَ هذه اللغة من الحاسوب لرجعَ لوضعه الطبيعي وإلى صمته. الروبوت له لغة معينة ورموزٌ خاصّة لو استخدمتها لتَفَاعلُ معك، ولو أزلت هذه اللغة التي كَوّنَها البشر لعادَ الروبوت قطعةً من حديد. وعليه فإن الانسان الذي يستطيع أن يبتكر لغة تواصل مع الآلات من السهل عليه أن يبتكر لغةً و طريقة تواصل مع بني جنسه . وهذه النظرية هي الأكثر قبولًا في هذه الأزمنة، ولذلك ـ ربما ـ كان العلماء البحوث الأصولية العالية وعند تعرضهم إلى مبحث الوضع ، وضع الألفاظ للمعاني. يبحثون في كيفية دلالة هذا اللفظ على المعنى المحدد ، وعن الارتباط بينهما ؛ هل هو ارتباطٌ حقيقي كما نسب إلى بعض عُلماءِ اللُغةِ القُدامى مثل ابن جني الموصلي[47]. الذي قيل إنه يعتقد وجود ارتباط حقيقي بين الكلمة والمعنى . أو أنه لا يوجد ارتباط حقيقي بينهما وإنما هو عبارة عن صلة عقدها الواضع ( شخصا كان أو مجتمعا ) بين الكلمة والمعنى ، و ( قرن ) بينهما أو ( تعهد ) بأن يستعمل هذا اللفظ في ذلك المعنى وأن يشير لذلك المعنى بهذا اللفظ ، أو أنه صنع ( ملازمة بينهما ) . اللغة العربية نشأتها وميزاتها : اللغةُ العربية هي واحدة من اللغات القديمة التي انتشرت في الجزيرةِ العربية، بالذات بعد نبي الله اسماعيل على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام. اسماعيل جدُ النبي (ص) أُصوله عبرانية، فهو في الأصل يتكلمُ العبرانيةَ أو السيريانية، لكنهُ جاء إلى المنطقة العربية في مكة المكرمة، وقد كان أهلُها يتحدثُون العربية، ففُتِقَ لسانُهُ بالعربية.

--> 47 ) ابو الفتح عثمان بن جني الموصلي ، رومي الأصل ـ ت 392 هـ أُستاذ الشريف الرضي رحمه الله ، كان إماما في اللغة وصاحب نظريات مبتكرة .